صديق الحسيني القنوجي البخاري
71
فتح البيان في مقاصد القرآن
صلتها من صلته وقطيعتها من قطيعته فيستحب أن يصلهم من فضل ما رزقه اللّه فإن لم يكن له فضل فدعاء حسن وتودد . وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ هي الخصلة المتزايدة في القبح من قول أو فعل ، وقيل هي الزنا وقيل البخل وَالْمُنْكَرِ وهو ما أنكره الشرع بالنهي عنه وهو يعم جميع المعاصي على اختلاف أنواعها ، وقيل هو الشرك وَالْبَغْيِ قيل هو الكبر ، وقيل هو الظلم وقيل الحقد وقيل التعدي ، وحقيقته تجاوز الحدّ فيشمل هذه المذكورة ويندرج بجميع أقسامه تحت المنكر وإنما خص بالذكر اهتماما به لشدة ضرره ووبال عاقبته وهو من الذنوب التي ترجع على فاعلها لقوله سبحانه إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [ يونس : 23 ] وهذه الآية من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وعن عبد الملك بن عمير أن هذه الآية لما بلغت أكثم بن صيفي حكيم العرب قال إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها ثم قال لقومه كونوا في هذه الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه أذنابا وكونوا فيه أولا ولا تكونوا فيه آخرا . وعن ابن عباس قال : أعظم آية في كتاب اللّه اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة : 255 ] وأجمع آية في كتاب اللّه للخير والشر التي في النحل إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وأكثر آية في كتاب اللّه تفويضا وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 ، 3 ] ، وأشد آية في كتاب اللّه رجاء يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ الزمر : 53 ] الآية . وعن عكرمة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ على الوليد بن المغيرة هذه الآية فقال له : يا ابن أخي أعد عليّ فأعادها عليه فقال له الوليد واللّه إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ، وما هو بقول البشر ، وعن الحسن إنه قرأ هذه الآية إلى آخرها ؛ ثم قال : إن اللّه عزّ وجلّ جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة فو اللّه ما ترك العدل والإحسان من طاعة اللّه شيئا إلا جمعه وأمر به ، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية اللّه شيئا إلا جمعه وزجر عنه . وفي المستدرك عن ابن مسعود وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر ، قال البيضاوي : وبسببها أسلم عثمان بن مظعون ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة ولعل إيرادها عقب قوله وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ للتنبيه عليه . ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله يَعِظُكُمْ بما ذكره في هذه الآية مما أمركم به ونهاكم عنه لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي إرادة أن تتذكروا ما ينبغي تذكره فتتعظوا بما وعظكم اللّه به فإنه كاف في باب الوعظ والتذكير .